صالح السنوسي
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…._رسمت المصالح المتصارعة للدول الاستعمارية على خريطة المنطقة العربية من شرقها الى غربها، ما عرف بالدول العربية لاحقا، فخرائط التقسيم الاستعماري واتفاقيات سايكس بيكو ووعد بلفور ومعاهدات الحماية الى الابد هي التي ثبتت بشكل نهائي الحدود الجغرافية والسياسية للكيانات العربية ولم تستطع كل ما حصل بعد ذلك من تفاعلات وصراعات ادخال أي تغيير على هذا الوقائع التى تعكس مصالح واستراتيجيات املتها إرادة الغرب أكثر من كونه يمثل حقائق اجتماعية وتاريخية صنعتها إرادة هذه الجماعات.
أدت هذه الخرائط الى تدويل الخلافات والصراعات بين الزعامات المحلية والامراء والمشايخ، فأكتسي دفاع الحاكم عن حدود نفوذه وسلطته ثوب الدفاع عن دولة وشعب ووطن وهي كلها مفاهيم انتجتها الحداثة الغربية في ظل ظروف مغايرة وهى أيضا تحميها المواثيق الدولية وقواعد القانون الدولي الآمرة التي يجرى تفعيلها من قبل الغرب كلما اقتضت مصالحه الاستراتيجية ذلك، فهذه الولايات التي استولى عليها الغرب من الباشوات العثمانيين بعد ان هزمهم في الحرب العالمية الأولى، لم يعطها الغرب الفسحة التاريخية الكافية لنضج وتبلور العناصر المادية والمعنوية اللازمة لتأسيس دولة اودول تمثل الواقع التاريخي والاجتماعي لأن ولادة مثل هذه الدولة تحرمها استراتيجية الغرب.
إذا عدنا على ضوء هذا الواقع الى الإبادة التي تجرى في غزة لفهم موقف الحكام والنخب و”الشعوب” فلابد ان نعود الى خرائط التقسيم التي ما انفكت تعيد انتاج الوقائع والأسباب التي توخاها منها الغرب، فقد انتجت هذه الخرائط نوعين من الكيانات:
النوع الأول : تمثله كيانات لا يتجاوز العنصر البشرى فيها عدد قبيلة كبيرة اوقبيلتين أصبحت كيانا سياسيا له حدود وعلم ومصالح و”هوية ” بفضل اتفاقات سايكس بيكو ووعد بلفور ومعاهدات الحماية التي عرفت باسم ” السلام الى الابد ولا تنتهى الى ان يشيب الغراب وتظهر البيضة في السماء” حسب نصها في الوثائق العربية وليس الإنجليزية وهي تمثل التقاء طموحات الزعامات القبلية مع مصالح الغرب الذى جعلهم حكاما يتوارثون الكتل السكانية التي حدد حجمها الديمغرافي وحدودها الجغرافية، ولعل هذا المخطط ما كان لينتج ثماره المرة التي تتجرعها المنطقة في هذا الوقت ،لولا تدخل عنصر أخر وهو وجود ثروة بترولية تحت اقدام كل جماعة من جماعات هذه الكيانات التي انتجتها أقلام سايكس وبيكو ومستر كوكس.
كانت نعمة النفط التي جادت بها الطبيعة هي الوصفة القاتلة لكل مشروع سياسي توحيدي سواء على مستوى الامة والجماعة الكبرى سواء على مستوى هذه الكيانات في ما بينها، فقد أدى وجود هذه الثروة الى نتيجتين أولهما هو ارتفاع مستوى عيش الفرد وذلك بالنظر الى حجم الثروة الكبيرة نسبيا وقلة عدد السكان مما جعل هذا الفرد يخاف مشاركة اخرين له في هذه الثروة من خارج الكيان الذى يعيش فيه مما سهل من مهمة الحاكم المناطة به من الغرب والتي تخدم مصلحته كحاكم أيضا ، وهي معاداة أي أطروحة تؤدى الى دمج الكيان الذى ورثه اب عن جد في كيان آخر صغيرا كان ام كبيرا .
اما النتيجة الثانية هي انه أصبح بمقدور هذا الحاكم ان يدفع للغرب ما يشبه الجزية الدورية التي تصل الى الترليونات تحت مختلف المسميات في مقابل بقائه واستمرار ورثته بحجة حماية الوطن من أطماع الآخرين، وهذا جعل الحاكم وأبناء الكيان لا يشعرون بأي ضرورة ضاغطة تدفعهم الى اللجوء الى الانتماء القومي الذي يشملهم مع من حولهم، طالما ان اساطيل الغرب وقواعده عين ساهرة ترعاهم من شرور وطموحات حكام النوع الثاني من الكيانات الكبيرة.
النوع الثاتي : هذا النوع من الكيانات هو نتاج خرائط سايكس بيكو في الشرق واتفاقيات الحماية والغزو في شمال افريقيا ، وهى كيانات تعد ديمغرافيا وجغرافيا كبيرة نسبيا وبالتالي هي التي تجرى فيها الحراكات الاجتماعية والتمرد والانقلابات والحروب الاهلية وضربات الغرب وإسرائيل، ونظرا لأن استراتيجية الغرب كانت حريصة على ان لا تلتقي عناصر الثروة والديمغرافي والجغرافيا في كيان واحد، فأنه يندر ان تجتمع العناصر الثلاثة في هذا النوع من الكيانات باستثناء العراق نسبيا والذى تم تدميره طائفيا وعرقيا والجزائر التي تنتظر دورها، اما ليبيا رغم انها بين البين الا انها تم اغراقها في حروب أهلية وصراعات ومليشيات ولا يستبعد ذهابها الى التقسيم.
اذن هذا النوع من الكيانات التي في معظمها ليست لديها ثروة بترولية وديمغرافيتها في حالة احتراب، بدءا من سوريا ومرورا باليمن والسودان وليبيا وانتهاء بالعراق ولبنان، لا تملك شعوبها ولا نخبتها رفاهية مد بصرها خارج مستنقع الاقتتال والصراع العبثي اليومي الى الحد الذي لا يصدر فيه عن بعضهم أي ردة فعل على ما تقوم به إسرائيل من تدمير لمقدراتهم واحتلال أجزاء أخرى من أراضيهم – كما هو الحال في سوريا- بل يستمرون في اقتتالهم وكأن ما تفعله إسرائيل بهم قدر إلهي لا اعتراض عليه.
إذا رجعنا على ضوء هذا الواقع الى التساؤل حول ما إذا كان كارثة حرب غزة هي مؤشر على هزيمة النخبة ام الشعوب وذلك باعتبار ان الحكام مستثنون من هذا السؤال لأنهم منتصرون باستمراريتهم وبقائهم في كل الأحوال، فأننا ما نجده وما نظنه انه إجابات هي في الواقع تقريبية وقابلة للجدل ويمكن ان نجملها في الاحتمالات التالية:
1- شعوب ونخب كيانات النوع الثاني الكبيرة، مهزومة في اوطانها وداخل كياناتها سواء بسبب احترابها واقتتالها اليومي سواء بتطبيع كياناتها رسميا مع إسرائيل تحت ذريعة انهم ليسوا الاوصياء الوحيدين على القضية الفلسطينية ولا على العرب ولم يعد بإمكانهم ان يدفعوا اثمانا باهضه من دماء أبنائهم ومستقبل اوطانهم، بينما أبناء النوع الأول من الكيانات الصغيرة يتنعمون وحدهم بالثروات والحياة الرغدة ويرقصون مع الإسرائيليين في ملاهي عواصمهم الليلية.
2- حكام النوع الأول من الكيانات الصغيرة ومعظم نخبها وليس كلهم، يرون في أي حراك في الكيانات الكبيرة يحمل طابع المعارضة للغرب وإسرائيل، هو تنطع وبحث عن دور العظمة الذي يقودهم الى الاصطدام مع إسرائيل والغرب، وبالتالي عليهم ان يتحملوا وحدهم نتائج ذلك اما هم فبأمكانهم ان يتعا يشوا مع إسرائيل حضاريا ومدنيا ويصونون رخاءهم واستقرارهم، فهم يخشون تلك الكيانات الكبيرة ولا يخشون من إسرائيل التي تقتضي مصالحها الحفاظ على الحكام والكيانات تحت هيمنتها بالقدر التي تسمح لها به استراتيجية الغرب ومصالحه.
3- الكتلة السكانية في كل كيان من الكيانات الصغيرة محدودة ولا تستطيع تحمل دفع ثمن الصراع مع الحاكم حتى لو ارادت ذلك، ولهذا فأن الحاكم مطمأن الى عدم فاعلية أي ردة فعل هامشية قد تصدر من عدد قليل من رعاياه، ولا سيما انه لا يحرمهم تماما مما تجود به عليه الطبيعة من نعمة الثروة.
قد لا يستقيم وصف ما يجرى في غزة بأنه هزيمة لنخب الكيانات العربية، لأن الغالبية العظمي منهم ليست في خندق المواجهة مع إسرائيل حتى يطالهم معني الهزيمة ، بل هم موجودون في خندق إسرائيل والغرب ولا سيما ان كيانات عربية كثيرة وفرت لهم وسائل اعلام وفضائيات قوية، يحاججون من خلالها ويبررون كل ما يجرى من جرائم إبادة في غزة وكل ما تقوم به إسرائيل من تدمير وعربدة في لبنان وسوريا واليمن، ويحملون مسؤولية كل ما يجرى لحركة حماس التي يصفونها بالإرهابية وعميلة ايران لارتكابها الفعل الشائن في السابع من أكتوبر مما اضطر إسرائيل ان تقوم بردة فعل عقابية ضد مخططات ايران التي وصلت الى خاسرتها الجنوبية والشمالية وهو خطاب مشترك بينهم وبين زملائهم من الضيوف الإسرائيليين في هذه المنابر.
اما الكتل السكانية العربية او هذه ” الشعوب” فأنها تجد نفسها بين حكام لا يخافونهم ويهشون عليهم كقطعان وبين نخبة تحت تصرفها كل ما وصلت اليه ثورة الاتصالات في مجال الاعلام لتنظر لقبول العجز والاستسلام والتواطؤ كقدر لا فكاك منه الا بالقبول به وهذا عين الحكمة والعقلانية التي تتميز بها سياسة القادة لتجنيب شعوبهم ويلات الحرب التي لم تستشيرهم فيها ايران الشيعية و لا اذرعها الإرهابية في المنطقة.
لا شك ان الهزيمة جزء من تاريخ كل الأمم منذ بدء الخليقة والعرب اصابهم منها الكثير، ولكن في هذه المرة لم تقع للعرب وهم يحاربون بل وقعت وهم بين متفرج وشامت ومشارك مع إسرائيل، وبعضهم لا يخفي سروره بما تحققه إسرائيل ويعتبر النصر الإسرائيلي إذا ما تكاملت شروطه نصرا له وهزيمة لأعداء السلام وللاتفاقيات الابراهيمية.
ان ما يميز هذه الهزيمة هو ان إسرائيل والغرب لا يريدونها هزيمة لحماس وحزب الله والحوثيين، بل يريدونها تتجاوز كل هؤلاء لتكون هزيمة ابدية للفكرة الجامعة ولأطروحة الانتماءالقومي.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…._
