السبت. مارس 7th, 2026
0 0
Read Time:4 Minute, 8 Second

المقال الاسبوعي “زاوية حادة”
غزة للبيع: مزاد الدم الدولي
بقلم: د. هشام عوكل استاذ ادارة الازمات والعلاقات الدولية
في دهاليز السياسة الإسرائيلية تُطل علينا خريطة طريق جديدة لا نحو السلام بل نحو خروج قسري من غزة وكأن الفلسطينيين على موعد مع رحلة ترحيل جماعية يُختار فيها المحبّون للسلام بعناية ليبقوا فيما يُمنَح الآخرون فرصة مغادرة القطاع طبعاً مع وعود غير رسمية بخصومات على تذاكر الرحيل الخرائط التي يتحدث عنها الإسرائيليون اليوم ليست خرائط حدود أو مفاوضات سياسية بل خرائط أمنية وديمغرافية تعيد تشكيل القطاع بالكامل مناطق تحت رقابة دولية جيوب منزوعة السلاح مدن جديدة تُبنى فوق الأنقاض وربما ممرات مائية وبرية لخروج لمن لا يندمج في الحل الجديد إنها خرائط لإعادة رسم غزة بما يخدم الأمن الإسرائيلي لا الحياة الفلسطينية
في الدوحة تدور المفاوضات منذ أشهر في حلقة مفرغة وكأننا أمام مسرحية سياسية سريالية إسرائيل ترفع السقف بلا حدود وحماس ترد بالثبات على الشروط والوسيط يبدو وكأنه يجيد فن تدوير الوقت أكثر من تدوير الزوايا الحادة النتيجة لا تهدئة دائمة ولا انفجار شامل فقط هدنة غير معلنة بين جولات الصمت المدوي
في عقل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية الأمن لا يتحقق إلا بإضعاف حماس وتجفيف الوجود الفلسطيني داخل القطاع وهكذا تتحوّل غزة إلى حقل اختبار متجدد للردع والتجويع لكن الفلسطينيين برغم الدمار لا يزالون يقاومون بوجودهم بأطفالهم وبأنين جرحاهم كأنهم يرددون للعالم نحن لسنا فئران تجارب في معادلتكم الأمنية
أعلنت أكثر من 14 دولة أوروبية اعترافها بدولة فلسطين في مايو ويونيو 2025 بينها إيرلندا وإسبانيا والنرويج وسلوفينيا لكن هذا الاعتراف لا يزال حبراً على ورق أمام غياب أي ضغط عملي على إسرائيل فبين التصريحات المثالية والواقع القاتم تتلاشى النوايا الطيبة تحت سطوة المصالح واللوبيات أين هي العقوبات أين هي المشروطية ومتى تتحوّل السياسة الأخلاقية من مجرد بيان صحفي إلى موقف ميداني
بحسب وزارة الصحة في غزة بلغ عدد الشهداء منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى منتصف يوليو 2025 أكثر من 50 ألف شهيد بينهم أكثر من 17 ألف طفل و11 ألف امرأة فيما تجاوز عدد الجرحى 100 ألف جريح نصفهم على الأقل يعانون إعاقات دائمة أكثر من 70 بالمئة من البنية التحتية للقطاع دُمّرت بما في ذلك مستشفيات ومراكز إسعاف ومدارس وملاجئ غزة لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار بل إلى إعادة تعريف العالم للإنسانية التي يُفترض أنها غير قابلة للتجزئة فمتى يُسمع صوت هذا الدم في قاعات القرار الدولية ومتى يُترجم الضمير العالمي إلى فعل
منذ بدء الجولة الأخيرة من التوتر في أبريل 2025 غاب المبعوث الأميركي الخاص هادي عمرو المعروف بويتكوف عن أي نشاط دبلوماسي فعّال فهل هذا الغياب عرضي أم أنه انعكاس لرؤية استراتيجية أمريكية جديدة ترى في إدارة الأزمة حلاً مؤقتًا بحد ذاته وبينما تصرّ واشنطن على أنها تراقب عن كثب يُترك الفلسطينيون في قلب الإعصار بلا خريطة نجاة ومع غياب ويتكوف تغيب الرغبة الأمريكية في الضغط الحقيقي على الأطراف وتعلو لغة الرصاص فوق صوت السياسة ويبقى السؤال مفتوحاً هل الصمت الأمريكي مقدّمة لاتفاق مفاجئ أم إقرار بفشل المبادرة من الأساس وهل عدم زيارة ويتكوف يعني أنه لا يجب أن نطمح لحل سياسي بين حماس وإسرائيل أم أن الأمور قد حُسمت في الكواليس وما تبقّى مجرد توزيع أدوار في مسرحية دولية بلا جمهور
وفي كواليس اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب مع خمسة من زعماء دول أفريقية على هامش مؤتمر استثماري دولي تسرّبت همسات لا يمكن تجاهلها هل كانت تلك الهمسات تتعلق بمستقبل غزة خارج غزة وهل فعلاً همس ترامب لهم بفكرة توطين الفلسطينيين في أفريقيا وكأن الأرض هناك بلا سكان والذاكرة الفلسطينية بلا جذور إنها ليست أول مرة يُطرح فيها التهجير بمصطلحات الاستثمار لكن الجديد أن يصبح الحصار على غزة مشروعًا قابلًا للتمويل من صناديق التنمية لا وثائق رسمية تؤكد ولا تصريحات تنفي فقط ابتسامات دبلوماسية وصور جماعية ويكفي أن ترفع حاجب ترامب لتعرف أن وراء الابتسامة خريطة قديمة تُبعث من جديد
وبين كل تلك التساؤلات لا يمكن إغفال أن غزة لم تعد ساحة صراع فلسطيني–إسرائيلي فحسب بل باتت نقطة التماس بين النفوذات المتشابكة النفوذ الإيراني ,و النفوذ القطري–التركي الذي يوازن بين الدعم السياسي والوساطة الإعلامية النفوذ المصري الذي يخشى انفجار القطاع وتمدّد الفوضى إلى سيناء والنفوذ الأمريكي–الإسرائيلي الذي يحاول هندسة شكل غزة المقبلة ” تحت مسمى” مدن انسانية في جنوب مدينة رفح” دون وجود حماس في المشهد في ظل هذه الخارطة المعقدة تبدو غزة كأنها رقعة شطرنج تتقاذفها الأيادي الدولية بينما تُترك البيادق الفلسطينية للنزيف والموت البطيء فهل تحسم هذه النفوذات شكل المرحلة القادمة أم أن غزة كعادتها ستكسر المعادلات الكبرى من تحت الركام
زواية حادة تسئل “ورغم أن البنادق لا تزال تتحدث على الأرض إلا أن بعض الشروط تطفو فوق نار الحصار كأنها رسائل غير مشفرة من الحركة للوسطاء: لا تمسّوا المكتب السياسي ولا تقتربوا من أرصدته. فهل نحن أمام مفاوضات لتحرير غزة، أم لتحرير الحسابات البنكية؟ وهل حماية قيادات الخارج شرط للداخل، أم أن رأس الحركة أصبح فوق الطاولة الدولية… ببطاقة VIP؟ وفي الوقت الذي تُقصف فيه مخيمات اللاجئين، يجري التفاوض على ضمان عدم تجميد أموال التنظيم وكأننا في مؤتمر محاسبة لا مقاومة.هل يمكن لحماس أن تنتزع ضمانات أمريكية وإنجاز سياسي وهي لا تزال محاصرة عسكريًا… أم أن التمسك بمحور موراج سيبقى عقدة تفكك كل خريطة حل؟

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code