صفوح صادق _شاعر فلسطيني
أريدُ شمسًا لا تغيب
كي أرى وجوهَ الذين عادوا من الغياب،
أريدُ نوافذَ مفتوحةً على الغيم
كي أصدّق أن الهواءَ ما زال يمرّ من هنا.
غزّة،
طفلةٌ تنامُ على كتف البحر
وتحلمُ أن الموجَ يستطيعُ أن يحملها إلى الغد،
تكتبُ على الرمل:
“أنا لم أُخلق للحصار،
بل لأصنعَ من الجدار جناحين.”
فيها،
يتعلّم الموتُ كيف يخجل،
وتتعلّم الحياةُ كيف تصرخُ كي تُسمَع.
هناك،
الأنقاضُ مدارس،
والدمعُ يُثمرُ وردًا،
والشجاعةُ طفلٌ
يرسمُ على جدارٍ مكسورٍ بيتَهُ من جديد.
غزّة،
يا فلسفةَ الوجع الجميل،
علّمتِنا أن الحقيقةَ لا تولدُ من النصر،
بل من الحلمِ الذي يرفضُ أن يموت.
يا سماءَ المدينة التي لا تنام،
احملي على صدركِ أحلامَ الصغار،
واكتبي بالغيومِ رسالةً
إلى الذين ما زالوا يصدّقون أن الحبَّ
أقوى من الحصار.
غزّة،
كم يشبهكِ الفجرُ حين يخطئ الطريق
ثم يجدُ نفسه في عينيك.
كلّ حجرٍ فيكِ قلب،
وكلّ جرحٍ فيكِ بابٌ يفضي إلى نجمةٍ لا تنطفئ.
أيتها الواقفةُ على حافة الوجود،
يا التي تحرسُ الله من النسيان،
علّمتِنا أن الحلمَ لا يحتاج جناحين،
بل يكفيه أن يصدق نفسه.
فيكِ،
يعودُ الطفلُ من خوفه إلى أغنيته،
وتعودُ الأمُّ من موتها إلى ابتسامتها.
يُضيءُ الأفقُ قليلًا،
كأنّ الشمسَ خُلقت من خطواتكِ.
غزّة،
يا جرحًا صار صلاة،
ويا صلاةً صارت طريقًا إلى القيامة،
كلُّ شيءٍ فيكِ يقول:
إننا ما زلنا قادرين
أن نُعيد للعالمِ صوته،
وللحياةِ شكلها الأوّل.
وفي آخر المساء،
حين يهدأ الغبارُ فوق الوجوه،
ويغفو الدمعُ في عيون الأمهات،
تظلُّ غزّةُ واقفةً —
كأنها الحُلمُ الأخير الذي رفضَ أن يُفسَّر.
تمدُّ يدَها إلى الغيم،
وتقول:
«أنا ما زلتُ هنا،
أزرعُ في الفراغِ معنى الامتلاء،
وأعلّمُ الريحَ كيف تمرّ من دون أن تنسى الأسماء.»
ثم تضحك،
ضحكةً صغيرة
تهزُّ جدرانَ الغياب،
كأنّها تُعيدُ تشكيلَ الكونِ من جديد.
يا غزّة،
يا طفلةَ الله العنيدة،
يا أصدقَ ما في هذا العالمِ من حياة،
ما دمتِ تحلمين،
فالعالمُ بخير،
والأبدُ ما زال يكتُبُ قصيدتَهُ الأخيرة
على جداركِ المضيء.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
