ربا رباعي
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_في عالم يتبدّل بسرعة مذهلة، تظلّ مسألة الهوية واحدة من أكثر الأسئلة إلحاحًا، ليس لأنها مجرد شأنٍ ثقافي، بل لأنها تتعلّق بكيف نفهم أنفسنا في مواجهة الآخر، وكيف نعيد بناء ذواتنا بعد كلّ صدام أو انكسار. هذا السؤال لم يكن غريبًا عن فكر طه حسين، بل كان في صميم مشروعه الفكري، وفي قلب سيرته الذاتية الخالدة “الأيام”.
الذات في مرايا الآخر
لم يكتب طه حسين “الأيام” ليحكي قصة طفولته فحسب، بل ليحاكم ذاته من خلال مرآة الآخر: الآخر الاجتماعي، والمؤسسي، والثقافي، والديني. ففي هذا النص الذي يتجاوز حدود السيرة إلى تخوم الفكر، تتجلى جدلية “الهوية والتشظي” بأوضح صورها: ذاتٌ تتكوّن، تُهدم، ثم تُعاد صياغتها تحت ضغط الذاكرة والمجتمع والتاريخ.
منذ الصفحة الأولى، يضعنا طه حسين أمام لعبة الذاكرة، تلك الذاكرة التي لا تروي الماضي كما كان، بل كما أعادت الذات صياغته:
“قل إن ذاكرة الإنسان غريبة حين تحاول استعراض حوادث الطفولة؛ فهي تتمثل بعض هذه الحوادث واضحًا، ثم يمحى منها بعضها الآخر كأن لم يكن بينها وبينه عهد.”
بهذه العبارة، يكشف الكاتب أن السيرة ليست استعادة بريئة للماضي، بل بناء متجدد للذات، أي أن “الآخر” هنا هو الذاكرة نفسها — مرآة داخلية تكسّر الصورة وتعيد رسمها في آنٍ واحد.
الإعاقة والاختلاف: حين يصبح النقص منبعًا للهوية
لم يكن فقدان البصر في حياة طه حسين مجرد حدثٍ جسدي، بل كان نقطة انعطاف وجودية. لقد شكّل الإعاقة “آخرًا داخليًا” يقف أمام الذات منذ الطفولة، ويجبرها على أن تعيد اكتشاف العالم بعيون القلب لا البصر. من هنا جاءت تلك العبارة التي تلخّص مأساة النقص وتحولها إلى طاقة نورانية:
“قُدِّرَ له أن تنطفئ مصابيح نظره، لكن قلبه كان نبراسًا يضيء.”
هكذا يُحوّل العمى إلى بصيرة، والعجز إلى رؤية؛ فالحرمان يصبح حافزًا لإعادة بناء الهوية من الداخل، وتفكيك الصور النمطية التي يفرضها المجتمع.
الأزهر كـ “آخر مؤسسي”: صدام الذات بالعقل الجمعي
في الأزهر، واجه طه حسين صدمة أخرى؛ هناك اكتشف أن المؤسسة الدينية التي حلم بها منارة للمعرفة، ليست سوى جدار يحجب النور أكثر مما يكشفه. لقد وجد “الفتى الأزهري” نفسه في مواجهة نظام يقوم على التلقين لا التفكير، وعلى الحفظ لا الفهم. ومن هنا، تبدأ لحظة الانشقاق الكبرى بين الذات الباحثة عن الحرية، والآخر المؤسسي الذي يفرض الخضوع باسم القداسة.
إنها مواجهة فكرية مبكرة بين “العقل النقدي” و”العقل النقلي”، بين من يريد أن يرى بعين العقل ومن يريد أن يظل أسيرًا لتكرار النصوص. في هذا الصدام، تتشظى الذات، لكنها لا تنهزم؛ بل تتخذ من الرفض طريقًا إلى التكوين الجديد.
من القرية إلى المدينة: انزياح المكان وتحوّل الهوية
الانتقال من القرية إلى القاهرة، ومن الأزهر إلى الجامعة، ومن الشرق إلى الغرب، لم يكن انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل رحلة داخل الذات نفسها. فكل انتقال يخلّف صدعًا جديدًا في هوية الفتى. هو ابن القرية الذي يحمل في قلبه رائحة الطين والأذان، لكنه أيضًا ابن المدينة التي تُغريه بالعقل والحرية.
هذا التوتر بين الانتماءين، بين الأصالة والتحديث، هو ما يمنح “الأيام” عمقها الإنساني والفكري. فالذات عند طه حسين لا تبحث عن هوية خالصة، بل عن “هوية ممكنة”، هوية تتّسع للمتناقضات.
الآخر الغربي: بين الإعجاب والمساءلة
حين شدّ طه حسين رحاله إلى باريس، لم يكن يهرب من الشرق، بل كان يبحث عن مرآة يرى فيها نفسه من جديد. لقد جذبته قيم العقلانية والحرية في الفكر الغربي، لكنه ظلّ يرفض أن تكون الحداثة تبعية. فـ “الآخر الغربي” لم يكن معبودًا جديدًا، بل محكمة عقلية يَعرض أمامها الشرق ليحاكم ذاته.
ومن هنا تتجلّى عبقرية طه حسين: فهو لا يقلّد الغرب، بل يستخدمه ليُعيد مساءلة ذاته وتراثه. لقد أراد أن يكون “مصريًا حديثًا”، لا “غربيا منقولا”، فبنى مشروعه التنويري على المصالحة بين النقد والهوية، بين التراث والعقل.
هوية تتجدّد لا تنغلق
في ختام “الأيام”، تبدو الذات الطهحسينية وقد خرجت من رحم التشظي لا لتستقر، بل لتستمر في السؤال. فالهوية عنده ليست صلابةً تُحمى، بل طاقة تُعاد إنتاجها باستمرار. إنها هوية ديناميكية، قادرة على أن ترى في الآخر فرصة لا تهديدًا، وفي النقد خلاصًا لا خيانة.
طه حسين في “الأيام” لا يقدم لنا مجرد سيرة حياة، بل يقدم بيانًا فلسفيًا في بناء الذات العربية الحديثة: ذاتٍ تتكوّن عبر التوتر، وتبحث عن توازنها في عالمٍ متغيّر. لقد كتب سيرته ليقول لنا — دون أن يقولها صراحة — إن الإنسان لا يولد بوجه واحد، بل بعدة وجوه تصقلها المواجهة مع الآخرين.
بين الفكر والإنسان
ربما لهذا ظلّ طه حسين حيًا بعد موته؛ لأنه لم يكتب ليُرضي أحدًا، بل ليقول كلمته في زمن كانت الكلمة فيه مغامرة. فـ “الأيام” ليست مجرد شهادة على طفولة كفيفة، بل مرآة أمةٍ تتلمّس طريقها نحو النور. وفي كل مرة نقرأه، نكتشف أن سؤال الهوية الذي طرحه منذ قرن، لا يزال سؤالنا الأكثر إلحاحًا اليوم.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
