تكتبها : كوثر الفرجاني
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_نحن لا نكتب أقدارنا، ولكن ربما نستطيع أن نصنع قصصا في حياتنا، في خضم الحياة ومعتركها قد يطرق أبوابنا زائر ثقيل لا نستطيع صده، لكننا نتكيف مع قدومه، فالحياة مليئة بالمنعطفات الجميلة أحيانا والقاسية أحيانا أخرى.
بين أيدينا قصة تحد كتبت فصولها الإعلامية والإذاعية والصحفية الأستاذة نعيمة الطاهر، صبرت وتحملت وتحدت وحاربت وتيقنت حتى كتب الله تعالى لها الشفاء.
وبينما تتزين المدن حول العالم باللون الوردي خلال شهر أكتوبر، تخليداً للشهر العالمي للتوعية بسرطان الثدي، ترفع الإعلامية نعيمة الطاهر رايتها الخاصة في معركتها ضد المرض، تتحدث بابتسامة هادئة، قد لا تفصح عن حجم ما مرت به، ولكنها حتما تؤكد ما واجهته وحاريته، فعادت منه أكثر قوة وإيماناً بالحياة.
التقيناها في بيتها الثاني كما أسمته، في مقر راديو طرابلس بالقبة الفلكية بالعاصمة طرابلس، في حدث لا يمكن أن يتكرر أو يكون عابرا، لتحدثنا عن قصتها مع المرض وكيف تمكنت من التغلب عليه بجرعات الصبر والامل والإيمان بالله.
قصة تحد
في زمنٍ يربط فيه كثيرون السرطان بالموت، تخرج الاعلامية نعيمة الطاهر لتكسر هذه الصورة النمطية، وتقدم نموذجاً حياً للشخصية حولت الألم إلى أمل، والمرض إلى رسالة حياة.
بدأت قصتها مع المرض في شهر مايو 2025 كان مجرد ورم صغير في الصدر، ومع الكشوفات والتحاليل وهذه الدورة المتكاملة من الفحوصات، تبين أن هناك أمرا ما، لكن لم يتم اكتشافه الا بعد أخذ الخزعة، التي كانت إيجابية، ولم يمر الوقت طويلا ، وكان لا بد من اللجوء إلى عملية الاستئصال، والدخول في مرحلة العلاج الكيماوي لعدد ستة جرعات من كل شهر.
وتقول عن هذه المرحلة “كنت قد بدأت بحثي عن هذا المرض حتى أفهم وضعي، للسير بوعي، فقررت إعطاء نفسي وقتا لاختيار طريقي عن فهم ووعي وقناعة”.
وعن شعورها حين تلقت خبر مرضها، تقول إنها كانت مفاجأة صاعقة إذ إن السرطان معناه بالمفهوم اللاوعي الضيق معاناة حتى الموت ولكن شيء ما فيها جعلها تتيقن انها ستتغلب عليه.
حولت الألم إلى رسالة أمل
بعد تكامل علاجها الكيماوي اختارت أن تحول الألم إلى رسالة أمل، فجغلت من صفحتها على مواقع التواصل الافتراضي براحا للامل، لتوعية النساء بأهمية الكشف المبكر ومحاربة الخوف والمعتقدات الخاطئة، خلاصة أن بعض النساء يربطن السرطان بالموت، وهذه الفكرة القاتلة تجعل كثيرات يحكمن على أنفسهن قبل أن يمنحهن الطب فرصة الشفاء.
ورغم الصعوبات الجسدية والنفسية، كانت تحرص على ألا يعكس مظهرها الهزيمة واتضح ذلك من خلال كلامها حيث قالت : “كنت أريد أن أُظهر أن المرض لا يمكن أن يسلبني أنوثتي ولا إيماني بالحياة”.
وربما كان هذا اللقاء من الفرص القليلة التي يتحدث فيها مريض عن مرضه ومشاعره بهذا العمق، لذا طرحت اجوبة تفصيلية للتعرف على رحلتها في العلاج، ويبدو أن طبيعة شغلها في الإعلام والتوعية انعكست على رحلتها مع المرض بحثا مكثفا وتقصيا دقيقا لمعرفة ماهية الطب الكيميائي من حيث الأعراض وطريقة العلاج والنتائج، والفرق بينهما، مؤكدة ومتيقنة بأن العامل النفسي يلعب دوراً كبيراً في العلاج، وأن الطاقة الإيجابية والإيمان قادران على تخفيف الأعراض الجانبية الصعبة .
وبهذا الصدد تحدثت قائلة: “السرطان لا يعني الموت، بل يمكن أن يكون بداية جديدة مليئة بالنور والإيمان. الكشف المبكر هو ذهب الحياة”.
الضغوط النفسية
في البداية عاشت أياما مريرة بين البحث المستمر عن حقيقة المرض، لدرجة الإعياء من المفاجآت، والتناقضات والمغالطات، وبين الضغوط النفسية ممن حولها، كونها ام وزوجة وجدة كم المسؤوليات والاعباء الملقاة على عاتقها في يومها المليء بالمسؤوليات التي لا تنتهي،
تفاعل معها الجميع عاطفيا بالدرجة الأولى خوفا عليها، أولادها وبناتها أما الأطفال احفادها، رغم كونهم صغارا ادركوا الحقيقة من البداية وظرف المرض لم يعمل حاجزا مقيتا بينها وبينهم، فمع مرور الوقت كان أولادها واحفادها قد وعوا وفهموا حجم المعاناة، فأصبحوا عونا ماديا ونفسيا وعاطفيا كبيرا
العنيدة والمحاربة
وتقول إنه بعد الموازنة “اخترت العلاج الشافي وتعالجت به، فهو منهج متكامل شامل، يعالج كل مكونات الإنسان الفكرية والروحية والنفسية والجسدية والاجتماعية، وها أنا بحمد الله متعافية من المرض” وتعهدت أن أحافظ على الأمانة (صحتي) التي أعطانيها ربي بمنهج صحيح سليم على الأقل بالنسبة لقناعاتي المبرهنة”.
وتقول : “أنهكني المرض نفسيا على المستوى الشخصي، إذ المرض حقا كما سماه القران الكريم (ضرّ) لأنه يؤثر في كل مكونات الجسم فيعيش الإنسان صراعا بين ضعف الجسد والنفسية وقوة القصد والإرادة”.
أما الأمور التي زادت من ثقتها بنفسها لمواجهة المرض، فتقول “تيقنتُ بعظمة ربي، وزادت ثقتي به أولا واخيرا، فتعمقت بأسمائه وصفاته، وأكثر ما أثر فيّ اسمه الصمد العظيم في كل شيء، فتعلمت من تجربتي ألا أثق بقدرة أحد بل فقط بربي”.
تتحدث عن لحظات يأس مرت بها خلال فترة المرض، ولقد قاومت هذه اللحظات مرارا باللجوء إلى الله، بقيام الليل تارة، وصلاة الفجر تارة اخرى، وفي هذه المرحلة تقول : رميت حملي على الله، وأُحيل حولي وقوتي إلى حول ربي وقوته”.
انا الجميلة
وكان دافعها من الكتابة وذلك ليس بجديد أو غريب عنها، فهي كاتية وشاعرة، والإذاعية والصحفية التي افنت سنوات من عمرها في نشر الوعي حول مختلف الأمراض الجسدية والاجتماعية على السواء، ولعل تجربتها مع المتعايشات مع فيروس نقص المناعة المكتسب بالدرجة الأولى ودورها التوعوي مع العديد من الحالات بحسب لها في مشوارها الإعلامي، ومن هنا نجدها تقدم تجربة حقيقية بمنهجية إيمانية يقينية، يتبين منها مفهوم المرض، وطبيعته من خلال التجربة والتطبيق، ومن رحم التجربة، ولد شغف جديد بالحياة
وتأسفت لأن المجتمع ما زال ينظر إلى المريضة بنوع من الشفقة أو الخوف “عندما أتحدث عن استئصال الثدي، ألاحظ أن بعض النساء يرتعبن من الفكرة، وكأنهن يسمعن شيئاً محرماً، هذه النظرة تؤذي المريضة نفسياً، وتجعلها تستسلم قبل أن تبدأ العلاج”، مبينة أن “الخوف هو السبب الأول الذي يمنع النساء من الفحص المبكر، لأننا ربطنا السرطان بالموت، هذه الفكرة السوداوية أخطر من المرض نفسه”.
السرطان كرسالة للحياة
ترى الاعلامية نعيمة الطاهر أن المرض ليس عقوبة، بل رسالة “المرض فرصة للتغيير لا للانكسار”، قائلة “وجدت في السرطان خيراً أكثر مما وجدت فيه شراً، علمني الصبر، وعزز إيماني”.
وتوجه رسالة أمل تقول فيها “السرطان مثل أي مرض آخر، يحتاج فقط إلى الصبر والإيمان، أصبت بخ لكني خضعت للعلاج واعتنيت بنفسيتي، وها أنا اليوم، أعيش بصحة تامة ولله الحمد ١٦6.”.
رسالة أكتوبر الوردي
تقول “السرطان لا يساوي الموت، بل بداية حياة جديدة، أفضل وأجمل”، وترفع الإعلامية نعيمة الطاهر في ختام حديثها رايتها الخاصة في شهر أكتوبر الوردي “السرطان أخذ مني شعري وبعضا من صحتي، لكنه أعاد إلي نفسي، علمني أن الحياة لا تقاس بعدد الأيام، بل بما نزرعه فيها من حب وإيمان”.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
