الشاعرة العراقية إنعام الحمداني
قِفا نَبكِ
لا عندَ أطلالٍ تَبلى
بل عندَ أطيافٍ ما زالت تُقيمُ فينا
قِفا
نستعيدُ وجهَ الأيامِ
حينَ كانتِ القلوبُ نقيّةً كالماءِ
قبل أن يلمسَها الغياب
ها نحنُ نعودُ
لا لِنرثي حُبًّا مات
بل لِنشهدَ
على ما تبقّى من الإنسانِ فينا
في البدءِ كانَ الضوء
ثمّ استبدَّ الظلُّ بالمكان
وكنّا كما قالَ الكتاب
خُلِقَ الإنسانُ مِن عَجَلٍ
نركضُ وراءَ السرابِ
ونحسبُهُ نهرًا من يقين.
كأنّنا لم نتعلّمْ
من أوّلِ السقوط
حينَ قيلَ
أهبِطوا منها جميعًا
فهبطنا…
ولا نزالُ نهبطُ كلَّ يومٍ
بوجهٍ جديد
وبقلبٍ أقلّ
قِفا نَبكِ
فالدمعُ اليومَ طَهورٌ
يغسلُ شوائبَ الحنين.
كم مرّتْ علينا ريحُ النسيان
تَذْروهُ الرياح
لكنَّ بعضَ الذكرياتِ كالحجر
لا تذوبُ
تسكنُ الجوفَ
كآيةٍ منقوشةٍ
على قلبٍ لا يُمحيهِ الزمان.
في ليالينا الطويلة
حينَ ينامُ الناس
وتستيقظُ الأرواح
نسمعُ همسًا يقول
ألمْ يأنِ للذينَ آمنوا
أن تَخشعَ قلوبُهم.
فنرتجف
ونعلمُ أنَّ الخشوعَ
لم يكنْ للصلواتِ فقط
بل للحياة
للحُبّ
للذِّكرى
لكلّ ما مرَّ بنا
وأبى أن يرحل.
قِفا يا صاحبي
وانظرْ إلى الطريقِ الذي قطعناه
كم من نجمةٍ انطفأت
وكم من وعدٍ انكسر
ومعَ ذلك…
ما زلنا نحملُ في صدورِنا جذوةً صغيرة
كأنّها من قولهِ تعالى
ونفختُ فيهِ من رُوحي
تُذكّرُنا أنّ فينا ما لا يُطفأ
مهما اشتدَّ الظلام.
تعبنا من الوجوهِ
التي تبتسمُ وتخون
من المدنِ
التي تلمعُ في الضوءِ
وتبكي في الليل
تعبنا من أنفسِنا
حين نظنُّ أننا نجونا
ثمّ نكتشفُ
أننا ما زلنا هناك
عندَ أوّلِ جُرح
نُعيدُ البكاءَ نفسه
بصيغةٍ جديدة.
قِفا نَبكِ
فالبكاءُ اعتراف
واعترافُنا هو النجاة.
كلُّ دمعٍ يسيلُ
هو ماءُ وضوءٍ جديد
نطهّرُ بهِ قلوبًا عطشى للصدق
وأرواحًا تابتْ
من زيفِها الطويل.
قِفا
نقرأُ ما كُتِبَ علينا
لا بالحروف
بل بالأيّام.
نسمعُ في الصمتِ قولهُ
وما الحياةُ الدنيا
إلّا متاعُ الغرور
فنبتسمُ
بحُزنِ العارفين
ونمضي نحوَ فجرٍ
لا نعرفُه
لكننا نؤمنُ أنَّ
إنَّ معَ العُسرِ يُسرًا..
قِفا نَبكِ يا صاحبي
ففي الدمعِ خلاص
وفي الذاكرةِ خلود
وفي الكلمةِ حياةٌ لا تزول.
دعنا نَبكِ
حتّى نصيرَ مطرًا
يغسلُ هذا العالمَ
من غبارِ اللامبالاة
ويُعيدُنا إلى البدءِ…
حيثُ كانتِ القلوبُ أنقى
والأسماءُ بلا خطيئة
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
