الجزائر – بقلم: رياض وطار / كاتب وإعلامي جزائري
تمرّ سنة كاملة على توقيف الروائي الجزائري بوعلام صنصال، الذي حُكم عليه بالسجن خمس سنوات بتهمة المساس بوحدة الوطن، إثر تصريحات أدلى بها لصحيفة فرنسية يمينية متطرفة، تبنّى فيها رواية تاريخية مغلوطة حول الحدود بين الجزائر والمغرب.
القضية، التي بدأت بتصريحات أدبية عابرة، سرعان ما تحوّلت إلى ملف سياسي ودبلوماسي معقّد، يتداخل فيه الأدب بالسيادة، وحرية التعبير بالتدخل الخارجي.
تصريحات فجّرت الجدل

في حوار مع مجلة فرونتيير الفرنسية، قال صنصال إن “قسمًا من الأراضي في غرب الجزائر كان في الأصل تابعًا للمغرب، قبل أن يتم اقتطاعه منه خلال فترة الاستعمار الفرنسي وضمّه إلى الجزائر بعد الاستقلال”.
كما أشاد بقرار الرباط تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، معتبراً أنه “قرار سيادي يعكس شجاعة سياسية”.
هذه التصريحات اعتُبرت في الجزائر مساسًا بوحدة الوطن وخرقًا للحدود السيادية، خصوصًا في ظل حساسية العلاقة مع المغرب ورفض التطبيع مع الكيان الصهيوني.
من التصريح إلى المحاكمة
سرعان ما فتحت السلطات الجزائرية تحقيقًا رسميًا، ثم أحيل صنصال إلى المحكمة بتهم المساس بوحدة الوطن، ونشر تصريحات من شأنها الإضرار بالمصلحة العليا للبلاد.
وفي مارس 2025، أصدرت محكمة الدار البيضاء حكمًا بالسجن خمس سنوات وغرامة مالية، ليكون القرار بمثابة رد قانوني على تجاوزاته المتكررة في المجال العام.
ردود الفعل الرسمية والشعبية
أكدت السلطات الجزائرية أن القضية قضائية بحتة، وأن حماية السيادة الوطنية واجب مقدس.
في المقابل، أطلقت بعض المنظمات الثقافية الأوروبية حملات تضامن، قبل صدور الحكم وبعده، ووصفت حكم المحكمة بأنه “اعتداء على حرية التعبير”.
كما تدخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون معبرًا عن “قلقه” على الوضع، فيما ردّت الجزائر رسميًا بأن السيادة الوطنية خط أحمر لا يقبل المساومة.
التدخل الألماني واليمين الفرنسي المتطرف
قبل أقل من 24 ساعة، دعت برلين الجزائر إلى “احترام حرية التعبير وحماية المبدعين”، وهو ما اعتُبر تدخلاً سافرًا في الشؤون الداخلية.
أما اليمين الفرنسي المتطرف، فقد تدخل في الأيام الأولى بعد توقيف صنصال (نهاية نوفمبر 2024)، مستغلاً القضية سياسيًا وإعلاميًا، واعتبر الحكم الجزائري “قمعًا للمثقفين”، محاولًا تحويل قضية قضائية إلى منصة انتخابية داخلية.
موقف اتحاد الكتّاب ووزارة الثقافة
بعد أسبوع تقريبًا من توقيف بوعلام صنصال (نهاية نوفمبر 2024)، أصدر اتحاد الكتّاب الجزائريين بيانًا أكد فيه أن حرية الإبداع محفوظة، لكن أي تجاوز للسيادة الوطنية مرفوض.
وفي أوائل ديسمبر 2024، أصدرت وزارة الثقافة الجزائرية موقفها الرسمي، مؤكدة أن القضية قضائية وليست سياسية، وأن حماية الهوية الوطنية واجب على الجميع، بما فيهم المثقفون.
هذا الموقف المزدوج يعكس توازن الجزائر بين احترام حرية الإبداع والحفاظ على الوحدة الوطنية.
البُعد اليهودي والإسرائيلي في علاقة صنصال
يُعرف صنصال بمواقفه المثيرة للجدل تجاه إسرائيل واليهود، إذ شارك في نشاطات ثقافية مع شخصيات يهودية إسرائيلية، ما فسّره البعض في الجزائر على أنه خروج عن الإجماع الوطني واستغلال إعلامي خارجي لتشويه صورة البلاد.
بين الأدب والسياسة
يبقى صنصال حالة فريدة، إذ جمع بين موهبة روائية ومواقف سياسية جدلية جعلت منه مادة دسمة للإعلام الغربي، لكنه فقد البوصلة في المشهد الأدبي الجزائري، حيث يرى النقاد أن تصريحاته الأخيرة تجاوزت الأدب إلى خطاب سياسي يخدم مصالح أجنبية.
خلاصة: بين حرية الكاتب وحرمة الوطن
تختزل قضية بوعلام صنصال معضلة أزلية بين حرية التعبير ومسؤولية الانتماء.
فبينما يصرّ البعض على اعتباره “ضحية حرية الرأي”، يرى الجزائريون أن ما قاله ليس رأيًا بل مساس بالسيادة الوطنية.
في النهاية، تبقى الجزائر، التي دفعت ثمنًا باهظًا لاستقلالها، متمسكة بحقها في وضع حدود فاصلة بين الإبداع والولاء للوطن
