ألطاف موتي -(كاتب باكستاني باحث سياسي واقتصادي)
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_منذ عام 2020، تُوصف “اتفاقيات أبراهام” بأنها اختراق تاريخي: دول عربية تُطبّع علاقاتها مع إسرائيل بوساطة أمريكية. ولكن تحت غطاء التفاؤل المعلن، تُستخدم هذه الاتفاقيات من قبل واشنطن والقدس لتعزيز نفوذهما — غالباً على حساب الحقوق الفلسطينية. وتكشف التحركات الأخيرة المتعلقة بالسعودية والنشاط المتجدد لدونالد ترامب مدى هشاشة هذا الإطار ومراعاته للمصالح الذاتية.
السعودية: القطعة المفقودة والمفاوض الحقيقي
لطالما بقيت المملكة العربية السعودية على هامش اتفاقيات أبراهام. إن مشاركتها من شأنها أن تغير ميزان الشرعية في المنطقة بشكل جذري. لكن دوافع الرياض ليست مثالية بحتة أو ناجمة عن إيثار. فبقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تسعى السعودية لإبرام صفقة أمنية كبرى مع الولايات المتحدة، إلى جانب التحديث الاقتصادي — وليس مجرد اعتراف رمزي بإسرائيل.
وفقاً للتقارير، تقترب الرياض وواشنطن من إتمام صفقة شاملة: اتفاق دفاعي أمريكي-سعودي، وبيع محتمل لطائرات “إف-35″، وتعاون نووي مدني — كلها مرتبطة ضمنياً بالتطبيع مع إسرائيل. لا ترى السعودية في هذا مساراً لأمنها فقط (خاصة ضد إيران)، بل وسيلة لدعم “رؤية 2030” — خطتها للتحديث الاقتصادي — عبر الوصول إلى التكنولوجيا الأمريكية في مجالات الأمن السيبراني، والطاقة، والتكنولوجيا المالية، وغيرها.
مع ذلك، تبدو الرياض متمسكة بشروطها: التطبيع فقط إذا كان هناك “مسار ذو معنى” لدولة فلسطينية مستقبلية. هذا المطلب يكشف نقطة ضعف كبيرة: الحكومة الإسرائيلية الحالية، بقيادة نتنياهو، لا تملك مساحة سياسية تذكر لتقديم تنازلات جدية بشأن القضية الفلسطينية.
دبلوماسية “الصفقات” لترامب: نفوذ ومكاسب — لا سلام
دونالد ترامب، الذي عاد إلى مركز هذا الجدل مجدداً، يضغط بقوة لضم السعودية للاتفاقيات. وقد صرح مراراً أنه يتوقع انضمام السعودية قريباً. وخلال زيارة ولي العهد لواشنطن في نوفمبر 2025، يُقال إن جدول الأعمال يتضمن ضمانات دفاعية أمريكية-سعودية، وصفقات استثمارية، ودفعاً متجدداً نحو التطبيع.
أسلوب ترامب قائم على “الصفقات”. فهو يربط التطبيع باستثمارات ضخمة وصفقات أمنية — وليس بالعدالة للفلسطينيين. ويشير المحللون إلى أن نهجه يضعف أي مطالب أخلاقية: قد تُطبّع السعودية دون تقديم خطوات حقيقية للحقوق الفلسطينية، ويمكن للولايات المتحدة أن تدّعي تحقيق نصر دبلوماسي بغض النظر عن النتيجة.
ماذا تكسب إسرائيل — وماذا تخاطر به؟
بالنسبة لإسرائيل، سيمثل التطبيع السعودي نصراً جيوسياسياً كبيراً. سيمنحها شرعية إقليمية أكبر بكثير من الاتفاقيات مع الدول الأصغر. لكن على إسرائيل تقديم تنازلات، خاصة في القضايا العسكرية. فطلب السعودية لطائرات “إف-35″، على سبيل المثال، يتحدى ما يسمى بـ “التفوق العسكري النوعي” لإسرائيل.
مع ذلك، يبدو التزام إسرائيل بتقديم تنازلات عميقة محدوداً. تشير التقارير إلى أن محادثات التطبيع بدأت، لكنها قد تبدأ بخطوات اقتصادية أو تجارية بحتة — بدلاً من الاعتراف الدبلوماسي الكامل. بهذه الطريقة، يمكن لإسرائيل أن تدّعي إحراز تقدم دون إضعاف سياساتها الاستيطانية أو الأمنية بشكل كبير.
أمريكا تلعب دور الوسيط — لمصالحها الذاتية
دور الولايات المتحدة في هذه المسرحية ليس محايداً. فمن خلال دفع العلاقات السعودية-الإسرائيلية، لا تعمل واشنطن على تعزيز السلام — بل على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يتناسب مع أهدافها الجيوسياسية. ويجادل المحللون بأن اتفاقيات أبراهام لا تتعلق بالمصالحة بقدر ما تتعلق ببناء كتلة إقليمية متحالفة مع النفوذ الأمريكي.
إدارة ترامب، على وجه الخصوص، تستخدم القمة مع محمد بن سلمان لترسيخ هذا الاصطفاف الجديد. صفقات الدفاع، وقمة الاستثمار، والحديث عن التطبيع، كلها تشير إلى استراتيجية أمريكية تُقيّم القوة والتجارة فوق العدالة.
القضية الفلسطينية تبقى بلا حل
على الرغم من كل هذه المناورات الدبلوماسية، يظل الفلسطينيون مهمشين. فدعوات السعودية لـ “خارطة طريق محددة زمنياً” لدولة فلسطينية لا يقابلها استعداد إسرائيلي — خاصة في ظل حكومة نتنياهو.
هذا فشل أخلاقي واستراتيجي عميق. إن تطبيع العلاقات دون تأمين حقوق ملموسة للفلسطينيين يُديم تهميشهم وحرمانهم من حقوقهم. ويجادل النقاد بأن اتفاقيات أبراهام، بتركيبتها الحالية، تقدم واجهة للسلام لكنها تحافظ على هياكل عدم المساواة.
رؤى أكاديمية: الرهانات الحقيقية
تتحدى الأبحاث الأكاديمية الحديثة السردية التي تروجها واشنطن وتل أبيب. فدراسات الاتفاقيات العربية-الإسرائيلية السابقة — بما في ذلك كامب ديفيد ومعاهدة السلام الأردنية-الإسرائيلية — تُظهر أن الفوائد الحقيقية والدائمة لم تظهر إلا عندما كانت الحقوق السياسية، وإصلاحات الحوكمة، وآليات المساءلة جزءاً من العملية. لم تخلق الحوافز الاقتصادية وحدها الاستقرار؛ بل كانت العدالة السياسية هي التي أنتجت سلاماً دائماً.
اليوم، هذا الأساس السياسي الجوهري مفقود. يحذر الباحثون من أن اتفاقيات أبراهام تتجاهل القضية الأساسية للسيادة الفلسطينية وتركز بدلاً من ذلك على التعاون العسكري والصفقات على مستوى النخب. فبدون تغيير هيكلي على الأرض — إنهاء توسع المستوطنات، ورفع القيود، والاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية — لا يمكن لهذه الاتفاقيات أن تُنتج سلاماً حقيقياً. إنها تعمل بدلاً من ذلك ككتلة استراتيجية تعزز النفوذ الأمريكي والإسرائيلي بينما تهمش الشعوب الأكثر تضرراً من الصراع.
المخاطر والمستقبل الهش
كل هذا يعني أن الدفع الحالي نحو التطبيع السعودي محفوف بالمخاطر. إذا ضغطت الولايات المتحدة وإسرائيل بشدة دون تقديم شيء للفلسطينيين، فقد يُشعلان نار الاستياء الإقليمي مجدداً. وإذا قدمتا تنازلات مبالغاً فيها للسعودية، فإنهما يخاطران بإثارة معارضة داخلية في إسرائيل بشأن التوازن العسكري.
من خلال ربط نفسه بقوة بمحمد بن سلمان والموافقة على صفقات أسلحة ضخمة، يعزز ترامب التصور السائد لدى الجماهير العربية بأن السياسة الأمريكية تدعم القمع، وتتجاهل المعاناة الفلسطينية، وتعطي الأولوية للقوة على العدالة. هذا التصور يهدد شرعية أي جهد تطبيعي.
إن اتفاقيات أبراهام، بشكلها الحالي، ليست مشروع سلام بقدر ما هي أداة جيوسياسية. تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل لتدعيم السلطة، وتوسيع النفوذ، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط — مع قليل من الاهتمام الحقيقي بالعدالة للفلسطينيين. ودخول السعودية المحتمل يؤكد هذا: فالرياض لا تسعى للمصالحة فقط، بل لتحقيق مكاسب استراتيجية. ومع قيادة ترامب لجدول الأعمال، فإن التكلفة الأخلاقية لـ “صناعة الصفقات” هذه تتصاعد بهدوء.
وما لم يتم ربط التطبيع بالتزامات سياسية وحقوقية جادة — وليس فقط بالأسلحة والمال — ستظل اتفاقيات أبراهام إطاراً قوياً ولكنه أجوف. وبالنسبة للفلسطينيين، يكمن الخطر في أن تصبح الدبلوماسية غطاءً لترسيخ عدم المساواة.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
