الأربعاء. مارس 4th, 2026
0 0
Read Time:5 Minute, 57 Second

د. محمد عباس ناجي

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_بعد مرحلة من التوتر والتصعيد على أكثر من مستوى، كان لافتاً أن إيران بدأت في تجديد قنوات التواصل مع الدول الأوروبية. إذ أجرى وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” حواراً مع مجلة “دير شبيجل” الألمانية، في 8 نوفمبر 2024، تطرق فيه إلى الملفات التي تحظى باهتمام خاص من جانب إيران وأوروبا. لكن أهم ما جاء في حديث “عراقجي” هو أنه عرض على الدول الأوروبية “التباحث حول التعاون مع روسيا”. ورغم أن هذه العبارة قد تكون غامضة إلى حد ما، وربما تحمل أكثر من معنى، إلا أنها تُوحي بأن إيران تسعى إلى التلويح بملف علاقاتها مع روسيا، خاصةً على المستويين العسكري والنووي، من أجل الحصول على مكاسب محددة من الدول الأوروبية.

ومن دون شك، لا يمكن فصل هذا التوجه الجديد، الذي ربما تعترضه عقبات عديدة في المرحلة القادمة، عن مجموعة من المتغيرات التي فرضتها التطورات الطارئة على الساحتين الإقليمية والدولية، وأهمها عودة الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” إلى البيت الأبيض من جديد، وتزايد مساحة الخلافات بين إيران وروسيا في عدد من الملفات الإقبليمية بما فيها الضربات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة.

دوافع مختلفة

يمكن تفسير هذا التوجه الإيراني الجديد القائم على استخدام ملف العلاقات مع روسيا لمساومة الدول الأوروبية في ضوء دوافع عديدة، يتمثل أبرزها في:

1- تخفيف حدة التوتر مع الدول الأوروبية: تسعى إيران عبر ذلك إلى تقليص حدة التوتر مع الدول الأوروبية، الذي تصاعد خلال الفترة الأخيرة، على خلفية اتهام إيران برفع مستوى الدعم العسكري لروسيا عبر إمدادها بالصواريخ الباليستية لمساعدتها على إدارة عملياتها العسكرية في أوكرانيا، فضلاً عن اتخاذ إجراءات تصعيدية في ملف مزدوجي الجنسية، حيث أعلنت السلطات الإيرانية، في 5 نوفمبر 2024، وفاة الألماني-الإيراني الأصل “جمشيد شارمهد” قبل تنفيذ حكم الإعدام فيه بتهمة تنفيذ عمليات إرهابية وقيادة تنظيم إرهابي، على نحو دفع ألمانيا إلى إغلاق القنصليات الإيرانية في مختلف أنحاء البلاد.

ويبدو أن القرار الذي اتخذه الاتحاد الأوروبي، في 15 أكتوبر 2024، بفرض عقوبات على 7 أفراد و7 كيانات من بينها شركة الطيران الوطنية “إيران إير”، لاتهامهم بالمشاركة في نقل الصواريخ إلى روسيا، قد فرض ضغوطاً على طهران، خاصةً أن شركة الطيران أعلنت وقف رحلاتها إلى الدول الأوروبية لعدم حصولها على التصاريح اللازمة.

من هنا، كان لافتاً أن “عراقجي” حرص على أن يكون توجيه هذه الرسائل الخاصة بوضع ملف العلاقات مع روسيا على مائدة المفاوضات مع الدول الأوروبية عبر وسيلة إعلام ألمانية تحديداً، حيث سعى من خلال ذلك إلى تقليص حدة التوتر مع الدول الأوروبية، وإقناع الأخيرة بالعدول عن فرض قيود على الخطوط الجوية الوطنية، ولا سيما “إيران إير”، حيث كتب تغريدة على حسابه على موقع “إكس”، في 5 نوفمبر 2024، دعا فيها الدول الأوروبية إلى “منع استهداف الشعب الإيراني عبر اتهام غير مؤكد بإرسال صواريخ إلى روسيا”.

2- موازنة سياسة “المساومة” الروسية: باتت إيران ترى أن روسيا تتبنى السياسة نفسها التي تقوم على استخدام علاقاتها مع إيران، على المستويين العسكري والنووي، لمساومة الدول الغربية، في ظل الخلافات الواسعة بين الطرفين، خاصةً حول ملف الحرب في أوكرانيا. وفي رؤية اتجاهات عديدة في طهران، فإن هذه السياسة الروسية فرضت تداعيات سلبية عديدة على إيران، حيث إنها أضعفت موقع إيران في مواجهة العقوبات التي تفرضها الدول الغربية ضدها، ودفعت الأخيرة إلى الإمعان في ممارسة ضغوط أقوى عليها، مستندةً إلى أن روسيا لن تتحرك من أجل احتواء تلك الضغوط.

3- الرد على المواقف الروسية المضادة: لم تتراجع بعد حدة الاستياء الذي انتاب إيران بعد المواقف التي اتخذتها روسيا على مستوى أكثر من ملف إقليمي؛ فعلى سبيل المثال، اتهمت اتجاهات عديدة في طهران روسيا بعدم اتخاذ موقف حازم إزاء الضربات العسكرية التي شنتها إسرائيل ضد إيران في 26 أكتوبر 2024، على غرار الإدانات التي صدرت عن دول عديدة في المنطقة.

وفي رؤية هذه الاتجاهات، فإن ذلك يعني أيضاً أن روسيا تستغل علاقاتها مع إيران لمساومة إسرائيل نفسها، خاصةً في ظل وجود ملفات تحظى باهتمام خاص من جانب الدولتين، على غرار سوريا وأوكرانيا. إذ تسعى روسيا إلى استمرار التنسيق مع إسرائيل التي توجه ضربات عسكرية قوية ونوعية ضد مواقع إيران والمليشيات الشيعية الموالية لها في سوريا. كما أن تل أبيب تضع ضوابط للدعم العسكري الذي تقدمه لأوكرانيا رغم الضغوط التي تتعرض لها من جانب إدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن”.

بل إن الاتهامات التي توجهها تلك الاتجاهات إلى روسيا والقائمة على أن الأخيرة حرصت دائماً على عرقلة تقدم المفاوضات بين إيران والدول الغربية للوصول إلى صفقة جديدة حول الاتفاق النووي، ما زالت مستمرة حتى الآن في ظل تفاقم الخلافات حول هذا الملف الذي يُتوقع أن يشهد استحقاقات مهمة في عام 2025 مع بداية تولي الرئيس الأمريكي المنتخب “دونالد ترامب” مهام منصبه في 20 يناير من هذا العام.

4- استنساخ الانقسام الأوروبي-الأمريكي: كان لافتاً أن حوار “عراقجي” جاء بعد أن بدأت تحذيرات عديدة تظهر على الساحة الداخلية الإيرانية من تداعيات التوافق الأوروبي-الأمريكي المحتمل ضد إيران، في ظل وجود محفزات لهذا التوافق، على غرار الدعم العسكري الإيراني لروسيا، والتصعيد العسكري بين إيران وإسرائيل، وملف مزدوجي الجنسية وغيرها. وهنا، فإن إيران بهذه الرسائل التي وجهها “عراقجي” في حواره مع “دير شبيجل” تحاول استنساخ الانقسام الذي كان قائماً بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية خلال الولاية الرئاسية الأولى للرئيس “ترامب” (2017-2021)، خاصةً بعد أن انسحب الأخير من الاتفاق النووي في 8 مايو 2018 وأعاد فرض العقوبات الأمريكية على إيران في 7 أغسطس من العام نفسه.

وفي رؤية طهران، فإن استمرار الانقسام الأمريكي-الأوروبي تجاهها يعزز موقعها في مواجهة الضغوط التي يُتوقع أن تتصاعد حدتها مع بداية عهد الرئيس “ترامب”. وقد سبق أن استفادت بالفعل من هذا الانقسام خلال الولاية الرئاسية الأولى، عندما حاولت إدارة “ترامب” تمديد الحظر المفروض على الأسلحة الثقيلة والذي كان مطبقاً وفقاً للاتفاق النووي وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231، إلى ما بعد 18 أكتوبر 2020 الموعد الذي رُفع فيه الحظر؛ إلا أنها فشلت في ذلك بعد أن رفضت الدول الأوروبية تأييد مشروع القرار الذي تقدمت به واشنطن في هذا الصدد، حيث لم يؤيده سوى دولتين فقط هما الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الدومينيكان.

5- استباق أي توافق أمريكي-روسي محتمل: لا تستبعد إيران أن تؤدي عودة “ترامب” إلى البيت الأبيض إلى تعزيز فرص الوصول إلى تسوية تنهي الحرب الروسية-الأوكرانية، التي اندلعت في 24 فبراير 2022. إذ تعهد “ترامب” أكثر من مرة بالعمل على وقف تلك الحرب وإبرام صفقة مع روسيا. وبدا لافتاً أن الأخيرة منفتحة على اتصالات يمكن أن تجري مع الإدارة الأمريكية الجديدة. وقد انعكس ذلك في تصريحات الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، في 8 نوفمبر 2024، والتي هنأ فيها “ترامب” بالفوز في الانتخابات الرئاسية، مضيفاً: “لا أعتقد أنه من الخطأ إجراء مكالمة هاتفية مع ترامب.. نحن مستعدون للتحدث معه.. رغبة ترامب في استعادة العلاقات مع روسيا وتسهيل إنهاء الأزمة الأوكرانية تستحق الاهتمام”.

هنا، فإن إيران تسعى عبر هذه الرسائل التي وجهها “عراقجي” إلى استباق أي استحقاقات استراتيجية قد تشهدها الحرب في أوكرانيا، بعد وصول “ترامب” إلى البيت الأبيض، خاصةً أنها تبدو غير مطمئنة إلى موقف روسيا من أي تفاهمات محتملة مع الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الملف، والتي يمكن أن تستغل مجدداً العلاقات مع إيران لانتزاع مكاسب من واشنطن على حساب طهران.

سياسة متذبذبة

مع ذلك، لا توجد مؤشرات تُوحي بأن هذه المرونة الإيرانية تجاه الدول الأوروبية يمكن أن تتحول إلى سياسة مستقرة. إذ لا يمكن نفي أن هناك مؤسسات وتيارات في إيران تسعى إلى تأجيج حدة الخيلات السلات القائمة بين الطرفين. فضلاً عن أن التطورات التي يمكن أن تشهدها المنطقة خلال المرحلة القادمة، خاصةً فيما يتعلق بالمسارات المحتملة للتصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران، سوف يكون لها دور في تحديد اتجاهات العلاقات بين إيران والدول الأوروبية خلال المرحلة القادمة.

انترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code