د.محمد عباس ناجي
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تصاعدت حدة الجدل داخل إيران، بعد أن كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” عن لقاء جرى بين “أمير سعيد إيرواني” المندوب الإيراني في الأمم المتحدة و”إيلون ماسك” مستشار الرئيس الأمريكي المنتخب “دونالد ترامب”، في 16 نوفمبر 2024؛ حيث أشارت إلى أن اللقاء -الذي عُقد بناءً على طلب الثاني، وحدد مكانه بناءً على رغبة الأول- تطرق إلى الخلافات العالقة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، خاصةً حول الدعم الإيراني للمليشيات المسلحة في المنطقة والاتفاق النووي.
اللافت في هذا السياق، هو أن إيران تعمدت التأخر في الرد رسمياً على هذا التقرير، بل إن بعض وسائل الإعلام الرسمية سارعت إلى تلقف التقرير ونشرت مقتطفات منه. وجاء النفي الرسمي لعقد اللقاء بعد أن شنت بعض الصحف، لا سيما صحيفة “كيهان”، حملة ضارية اتهمت فيها “سعيد إيرواني” بـ”السذاجة” و”الخيانة”، ووجهت اتهامات إلى بعض أعضاء طاقم حكومة الرئيس “مسعود بزشكيان”، على غرار مساعده للشؤون الاستراتيجية “محمد جواد ظريف”، الذي قالت إنه يسعى لاستنساخ تجربة الرئيس الأسبق “حسن روحاني”، في إشارة إلى المفاوضات التي أُجريت مع إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق “باراك أوباما” وأدت في النهاية إلى الوصول للاتفاق النووي بين إيران ومجموعة “5+1” في 14 يوليو 2015.
دوافع عديدة
يمكن تفسير تأخر إيران في الرد على هذا التقرير الذي حظي باهتمام خاص من جانب قوى إقليمية ودولية عديدة، في ضوء دوافع متعددة، يتمثل أبرزها في:
1- احتمال عقد اللقاء بشكل فعلي: رغم نفي إيران عقد هذا اللقاء، إلا أن ذلك قد لا يقلص من احتمالات عقده بالفعل. وقد كان لافتاً أن البعثة الإيرانية في الأمم المتحدة رفضت التعليق على الخبر قبل أن يتم نفيه من جانب وزارة الخارجية الإيرانية في طهران، وهو الموقف نفسه الذي تبناه الفريق الانتقالي للرئيس الجديد “دونالد ترامب” إزاء الخبر نفسه، حيث قال المتحدث باسم الفريق “ستيفين تشونغ”: “ليس لدينا تعليق على لقاءات خاصة قد تكون عُقدت أو لم تُعقد”.
وهنا، فإن عقد اللقاء ربما يتوافق مع حسابات إيران في هذه الفترة، خاصةً أنها تسعى حالياً إلى استشراف السياسة التي سوف تتبناها الإدارة الأمريكية الجديدة إزاء العلاقات معها، وهي أحد الملفات التي سوف تحظى باهتمام خاص من جانب الإدارة، في ظل “إلحاح” القضايا الخلافية العالقة بين الطرفين، ولا سيما الاتفاق النووي الذي سيواجه اختباراً صعباً في عام 2025 عندما يقترب ما يسمى بـ”يوم النهاية” في 18 أكتوبر 2024.
2- وجود محاولات لإضعاف الرئيس “بزشكيان”: تحول الجدل الذي تصاعدت حدته حول اللقاء المفترض، في جزء منه، إلى محور لصراع سياسي بين تيار الإصلاحيين والمحافظين الأصوليين، لا سيما أن ذلك توافق مع انتهاء المائة يوم الأولى في عهد الرئيس الجديد “مسعود بزشكيان” وبدء بعض وسائل الإعلام فيما يمكن تسميته بعملية “جرد حساب” لأداء الرئيس على مدى الفترة الماضية. وقد تعمدت وسائل الإعلام المحسوبة على تيار المحافظين الأصوليين الإشارة إلى أن عقد هذا اللقاء تم بناءً على اتصالات قام بها بعض أعضاء فريق “بزشكيان”، ولا سيما “محمد جواد ظريف” مساعد الرئيس للشؤون الاستراتيجية.
وهنا، فإن الهدف يتمثل في توجيه رسائل إلى الداخل بأن الرئيس الحالي ضعيف سياسياً ولا يستطيع مجاراة طاقمه الحكومي أو السيطرة على تحركاتهم وخطواتهم السياسية، التي يمكن أن تفرض، في رؤية تيار المحافظين الأصوليين، عواقب وخيمة على مصالح إيران، خاصةً إعادة تكرار التجربة “الفاشلة” للاتفاق النووي، الذي لم تحصل إيران على امتيازات استراتيجية عبره بعد أن انسحب منه الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، خلال فترته الرئاسية الأولى وتحديداً في 8 مايو 2018، وأعاد فرض العقوبات الأمريكية على إيران بدايةً من 7 أغسطس من العام نفسه.
3- تبني سياسة “تقسيم الأدوار”: ربما تحاول إيران عبر هذا الجدل مواصلة تبني سياسة “تقسيم الأدوار” أو “التحدث بأكثر من لسان”. وفي رؤيتها، فإن هذه السياسة تساعدها في توسيع هامش الخيارات وحرية الحركة المتاحة أمامها على الساحتين الإقليمية والدولية، خاصةً في ظل الظروف الحالية التي تشهدها الساحتان الإقليمية والدولية، سواء ما يتعلق باستمرار الحرب التي تشنها إسرائيل في قطاع غزة ولبنان، أو التصعيد العسكري الذي يمكن أن يتجدد بين إسرائيل وإيران، أو وصول “ترامب” مجدداً إلى البيت الأبيض بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في 5 نوفمبر 2024.
فضلاً عن ذلك، فإن هذه السياسة يمكن -في رؤية طهران- أن تخدم المقاربة التي تتبعها حالياً في إدارة العلاقات مع واشنطن خلال المرحلة القادمة. إذ إنها يمكن أن تعزز موقعها التفاوضي في مواجهة إدارة “ترامب” المقبلة، لا سيما أن الأخيرة بدأت في التلويح بإمكانية إعادة تبني سياسة “الضغوط القصوى” في اليوم الأول لوصول “ترامب” إلى البيت الأبيض في 20 يناير 2025. وهنا، فإن ذلك يعني أن إيران تسعى عبر أي مفاوضات محتملة مع إدارة “ترامب” خلال المرحلة القادمة إلى الحصول على مكاسب استراتيجية عديدة، تعوض الخسائر التي تعرضت لها بسبب الحرب التي شنتها إسرائيل منذ 7 أكتوبر 2023.
وربما يكون ذلك هو ما دفع إيران إلى توجيه رسائل تحمل أكثر من معنى خلال زيارة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية “رفاييل جروسي” إلى طهران، في 13 نوفمبر 2024، حيث أشارت إلى إمكانية تجاوبها مع المطالب الغربية برفع مستوى التعاون مع الوكالة، لكنها أكدت في الوقت نفسه عدم استعدادها للتفاوض تحت الضغط أو التهديد من جانب هذه الدول.
4- توجيه رسائل مزدوجة للحلفاء: كان لافتاً أن هذا الجدل توازى مع الزيارة التي قام بها “علي لاريجاني” مستشار المرشد الأعلى للجمهورية إلى كل من سوريا ولبنان، في 14 و15 نوفمبر 2025، والتقى خلالها بالرئيس السوري “بشار الأسد”، ورئيس حكومة تسيير الأعمال اللبنانية “نجيب ميقاتي”، ورئيس مجلس النواب اللبناني “نبيه بري”، فضلاً عن قيادات بعض الفصائل الموالية لإيران. ورغم أن “لاريجاني” حمل رسالتين خاصتين من “خامنئي” إلى “الأسد” و”بري”، إلا أن الأهم هي الرسائل التي يوجهها هذا الجدل، لا سيما إلى سوريا.
إذ تبدي إيران قلقاً خاصاً من السياسة التي يتبعها النظام السوري إزاء الحرب الحالية في المنطقة والتصعيد بين إيران وإسرائيل، والتي تقوم على النأي بالنفس وعدم الانخراط فيها، بل إنها ربما تتطور إلى المشاركة في فرض قيود على تحركات حزب الله في سوريا، وعلى منافذ توفير الدعم العسكري للحزب من سوريا إلى لبنان.
وهنا، فإن تعمد النظام الإيراني في البداية تمرير فكرة الانفتاح على إدارة “ترامب” وإمكانية عقد صفقة معها، كان يهدف إلى توجيه رسالة إلى النظام السوري بأن أي تحول في سياسته باتجاه استثمار الحرب الحالية لإعادة تحسين العلاقات مع الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، لن يمر دون قبول إيران التي تمتلك القدرة -في رؤية النظام الإيراني- على عرقلة هذه الترتيبات التي يعمل عليها.
وتعمد النظام الإيراني توجيه هذه الرسالة أيضاً إلى القوى التي تسعى إلى استثمار ضعف حزب الله، بعد الضربات العسكرية التي تعرض لها من جانب إسرائيل، من أجل دفعه إلى الانسحاب إلى نهر الليطاني وتسهيل مهمة انتخاب رئيس للجمهورية قد لا يتوافق بالضرورة مع حساباته. وهنا، فإن الرسالة مفادها أن أي ترتيبات سياسية أو أمنية قد يجري العمل على صياغتها في لبنان خلال المرحلة القادمة لن تتحول إلى خطوات إجرائية على الأرض دون ضوء أخضر من جانب إيران.
تفاهمات منشودة
في النهاية، يمكن القول إنه رغم نفي إيران “المتأخر” عقدَ لقاء بين “إيرواني” و”ماسك”، فإن ذلك لا ينفي أنها تسعى إلى فتح قنوات تواصل مع إدارة “ترامب” قبل وصوله إلى البيت الأبيض، تجنباً لتصاعد حدة التوتر بين الطرفين، وربما التوجه نحو تبني خيارات لا تتوافق مع حسابات ومصالح إيران في بداية عام 2025.
انترريجورنال للتحليلات الاستراتيجية
