هفاف مقدسي – ناشطة مجتمعية
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …._في اللحظة التي تهاوت فيها أعمدة المشروع الإيراني داخل سوريا، الذي زرع الطائفية والدمار، وبثّ الميليشيات والمخدرات في جسد الوطن، وتفككت الشبكات التابعة للحرس الثوري وحزب الله، وانكفأت الميليشيات العقائدية، شعر السوريون لأول مرة منذ سنوات أن الشمس بدأت تشرق على وطنهم المخطوف.
لكن مع بزوغ فجر جديد، لا يمكن للجرح أن يلتئم ما دام الاحتلال الروسي جاثمًا على الساحل، متغلغلًا في القرار السيادي، ممسكًا بقاعدة طرطوس وسماء حميميم، ومصرًّا على التعامل مع الشعب السوري وكأنه ملف أمني تابع للكرملين.
الفرق كبير بين إيران وروسيا… لكن الألم واحد.
إيران دخلت بوجه طائفي عقائدي، غرست ميليشياتها في كل زاوية، من نبل والزهراء إلى السيدة زينب، وسعت لتغيير هوية البلد ومجتمعه.
أما روسيا، فمنذ عام 2015، جاءت بخوذات الجنرالات وقنابل “سوخوي”، وادّعت “محاربة الإرهاب”، لكنها كانت تقتل الأطفال في حلب، وتسوي الغوطة بالأرض، وتحمي نظامًا كان قد فقد شرعيته بالكامل بسبب توغله في الإجرام والفساد.
كلتاهما تدخلت لإنقاذ مجرم الحرب بشار الأسد، لكن روسيا أرادت أكثر من ذلك:
- أرادت تأسيس موطئ قدم استراتيجي على المتوسط، يضمن لها المياه الدافئة، ويعزز نفوذها العسكري في مواجهة الناتو، ويعيد مجدها الإمبراطوري.
تكتيك روسيا كان مختلفًا:
- استخدمت “دبلوماسية السلاح”، وسيطرت على قرار الجيش السوري.
- وقّعت اتفاقيات طويلة الأمد تضمن بقاءها في طرطوس دون رقابة محلية.
- زعمت أنها “وسيط”، لكنها كانت خصمًا مباشرًا في القصف والحصار، وشريكة في مذابح العصر الحديث.
اليوم، ومع تبدّل النظام السياسي في سوريا وسقوط نظام الأسد البائد، وبدء مرحلة السيادة الوطنية، تسعى موسكو لإعادة التموضع. لكن… هل ستنجح؟
المؤشرات تقول إن روسيا تبحث عن بدائل، ومنها ليبيا.
بحسب تقرير “معهد دراسات الحرب”، موسكو تكثّف اهتمامها بليبيا لتأسيس قاعدة استراتيجية هناك، تعوّض خسارة محتملة في سوريا، لكي تستطيع تزويد قواتها في أفريقيا (مثل “فيلق أفريقيا” – Africa Corps)، ولتأمين الدعم لحكومات مثل مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى.
لكن الطريق إلى ليبيا ليس مفروشًا بالورود: فهناك الكثير من المعوقات التي تواجه روسيا:
- الوجود التركي القوي في ليبيا، الذي يتصادم مع الطموح الروسي.
- مواقف أوروبا الحذرة من التمدد الروسي، خاصة فرنسا وإيطاليا.
- الانقسام الداخلي الليبي، وعدم وجود شريك ثابت لموسكو.
- العزلة الدولية المتزايدة على روسيا بعد غزو أوكرانيا.
هل تنسحب روسيا من سوريا؟ أم تتشبث كما تشبثت سابقًا؟
الاحتمالات مفتوحة:
- إذا أدركت موسكو أن بقاءها يهدد مصالحها الأوسع، فقد تفاوض على انسحاب تدريجي مقابل ضمانات أو نفوذ بديل.
- أما إذا اختارت المكابرة، فستصطدم بإرادة شعب لا يقبل بعد الآن بوجود احتلال أو قواعد أجنبية.
- وربما تسعى لتقاسم النفوذ مع أمريكا وتركيا في صفقة كبرى، لكن عندها ستكون أوراقها ضعيفة بعد سقوط بشار.
وهنا يبرز احتمال للمقايضة في مناطق النفوذ بين تركيا وروسيا.
هذا الاحتمال واقعي جدًا ويُطرح بجدية في أوساط التحليل الاستراتيجي، خصوصًا مع طبيعة العلاقة الخاصة والمعقدة بين روسيا وتركيا، والتي تقوم على التنافس والتعاون في أكثر من ساحة، أبرزها: سوريا، ليبيا، أذربيجان، والبحر الأسود. بالإضافة إلى توزيع الأدوار بينهما في “سوتشي” و”أستانا” سابقًا.
نعم، المقايضة احتمال قائم، خاصة في ظل التحولات السياسية في دمشق. لكن نجاحها يتوقف على ردة فعل أطراف دولية عديدة، وأيضًا على ردة فعل السوريين أنفسهم، الذين باتوا يرفضون أي صفقة تُبرم على حساب دمهم وسيادتهم.
ما يجب ألا ننساه أبدًا:
الحليف الذي حمى الأسد بعد المجازر… كان روسيًا.
واليوم، في سوريا الجديدة، لا مكان لمن لوّث أرضنا بدمنا.
الشعب السوري لا يريد احتلالًا بعمامة ولا بخوذة. يريد وطنًا حرًا سيدًا لكل أبنائه، بلا قواعد أجنبية، ولا أوهام إمبراطوريات.
الطائرات التي قصفت مشافينا في سورية … كانت روسية.
الفيتو الذي خنقنا في مجلس الأمن… كان روسيًا.
مواقع الكترونية
