الثلاثاء. مارس 10th, 2026
0 0
Read Time:1 Minute, 30 Second

بقلم: رياض وطار – كاتب وإعلامي جزائري

يُعدّ المعرض الدولي للكتاب بالجزائر (سيلا) واحدًا من أهم المواعيد الثقافية في الوطن العربي وإفريقيا، إذ يستقطب سنويًا مئات الناشرين وآلاف الزوار من مختلف الفئات. غير أن بريق هذا الحدث الكبير بدأ في السنوات الأخيرة يفقد شيئًا من توهّجه، بعدما تحوّل من فضاء للمعرفة والكتاب إلى سوق تجاري مكتظّ بالضجيج والمصالح.

من حيث الشكل، يبدو المعرض ناجحًا تنظيمًا وحضورًا، لكن من حيث المضمون، يُسجَّل غياب العمق الثقافي والنقاش الفكري الذي يليق بمناسبة تحمل اسم الكتاب. فغالبية الأنشطة الموازية من ندوات وتوقيعات ولقاءات تُنظَّم بطريقة عشوائية، وتغيب عنها الرؤية الفكرية الواضحة. كما أن البرمجة الثقافية غالبًا ما تقع في فخ التكرار واستضافة الأسماء نفسها، دون إتاحة المجال للأصوات الجديدة أو للكتب الجادة التي تناقش قضايا المجتمع والهوية والإبداع المعاصر.

أما دور النشر الجزائرية، فعلى الرغم من تزايد عددها، إلا أن حضورها ما يزال محدود التأثير مقارنة بالناشرين العرب، بسبب ضعف التوزيع والدعم اللوجستي والترويج، في حين تتصدر بعض الدور العربية المشهد بفضل قدرتها على التسويق ووفرة عناوينها. هذا الوضع جعل القارئ الجزائري يشعر أن معرض بلاده لا يمثل بالضرورة أدب بلاده، بل صار مرآة للمنتوج العربي أكثر مما هو مرآة للإنتاج الوطني.

وإذا كان الزخم الجماهيري الهائل مؤشراً على تعطّش الجزائريين للكتاب، فإن نوعية الكتب المعروضة تطرح أسئلة مقلقة: أين الإصدارات الفكرية الجادة؟ وأين حضور الجامعات والبحث العلمي؟ ولماذا تطغى الروايات التجارية والكتب الدينية المكرّرة على حساب النصوص الأدبية الرصينة والكتب الأكاديمية؟

إن معرض الكتاب بالجزائر بحاجة إلى إعادة تعريف دوره: ليس كفضاء للبيع فحسب، بل كمنصّة حقيقية للتفكير في وضع الثقافة في المجتمع، ولبناء جسور بين الكاتب والقارئ، وبين الناشر والجامعة، وبين الإبداع والواقع.
فحين يستعيد المعرض روحه الفكرية، يمكنه أن يتحوّل من مجرد موسم ثقافي إلى حدث وطني يعيد الاعتبار للكتاب كقيمة ورؤية.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code